أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
264
شرح مقامات الحريري
وأما الموطن الذي يلبس فيه الذّكران براقع النسوان ، وتبرز فيه ربّات الحجال بعمائم الرجال ، فهو أوّل مراتب العدد المضاف ، وذلك بين الثلاثة إلى العشرة ، فإنه يكون مع المذكّر بالهاء ، ومع المؤنث بحذفها ، كقوله تعالى : سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ [ الحاقة : 7 ] والهاء في غير هذا الموطن من خصائص المؤنث ، كقولك : قائم وقائمة وعالم وعالمة ، فقد رأيت كيف انعكس في هذا الموطن حكم المذكر والمؤنث حتى انقلب كل منهما في ضدّ قالبه ، وبرز في بزّة صاحبه . وأما الموضع الذي يجب فيه حفظ المراتب عن المضروب والضارب ، فهو حيث يشتبه الفاعل بالمفعول لتعذّر ظهور علامة الإعراب فيهما أو في أحدهما ، وذلك إذا كانا مقصورين مثل موسى وعيسى ، أو من أسماء الإشارة نحو ذاك وهذا . فيجب حينئذ لإزالة اللّبس إقرار كل منهما في رتبته ، ليعرف الفاعل منهما بتقدمه ، والمفعول بتأخّره . وأما الاسم الذي لا يفهم إلا باستضافة كلمتين ، أو الاقتصار منه على حرفين فهو « مهما » وفيها قولان : أحدهما : أنها مركبة من « مه » التي هي بمعنى اكفف ، ومن « ما » والقول الثاني - وهو الصحيح - أنّ الأصل فيها « ما » فزيدت عليها « ما » أخرى ، كما تزاد على « إنّ » فصار لفظها « ماما » ، فثقل عليهم توالي كلمتين بلفظ واحد ، فأبدلوا من ألف « ما » الأولى « ها » فصارتا « مهما » . ومهما من أدوات الشرط والجزاء ، ومتى لفظت بها لم يتمّ الكلام ، ولا عقل المعنى إلا بإيراد كلمتين بعدها ، كقولك : مهما تفعل أفعل وتكون حينئذ ملتزما للفعل ، وإن اقتصرت منهما على حرفين وهما « مه » التي بمعنى اكفف ، فهم المعنى وكنت ملزما من خاطبته أن يكفّ . وأما الوصف الذي إذا أردف بالنون نقص صاحبه في العيون ، وقوّم بالدون ، وخرج من الزّبون ، وتعرّض للهون ، فهو « ضيف » إذا لحقته النون استحال إلى « ضيفن » وهو الذي يتبع الضيف ويتنزّل في النقد منزلة الزّيف .